فخر الدين الرازي
286
القضاء والقدر
النوع العشرون للقوم لو أن اللّه تعالى خلق الكفر في الكافر ، وخلقه للنار . ما كان للّه نعمة أصلا . وهذا باطل فذاك باطل . بيان الملازمة : إن النعم إما دينية أو دنيوية . ولا شك أن النعم الدينية أفضل وأكمل من النعم الدنيوية . فلو قدرنا أن خالق الكفر هو اللّه تعالى ، لم يكن له تعالى في خلق الكافر شيء من النعم الدينية . وأما النعم الدنيوية فهي أيضا على هذا التقدير ، يجب أن تكون معدومة . لأن منافع الإنسان في الدنيا ومضاره فيها ، إذا تقابلا كانت منافعه بالنسبة إلى مضاره كالقطرة في البحر ، ثم إذا قوبل عمر الإنسان بالأبد الذي لا نهاية له ، كان عمره بالنسبة إلى ذلك الأبد كالعدم . وإذا كان كذلك ، فلو خلق اللّه الكفر في الكافر وعذبه عليه أبد الآباد ، كانت المنافع الحاصلة في الدنيا بالنسبة إلى هذه المضار كالقطرة بالنسبة إلى البحار التي لا نهاية لها . ومعلوم : أن مثل هذا لا يعد نعمة ولا منفعة . ألا ترى أن تقديم الخبيص « 1 » المسموم إلى الإنسان ، لا يعد نعمة . لأن اللذة الحاصلة منه قليلة بالنسبة إلى المضار الحاصلة . فكذا هاهنا . فثبت : أنه لو كان حصول الكفر بخلق اللّه تعالى ، لم يكن للّه تعالى في حق الكافر شيء من النعم البتة . وإنما قلنا : إن للّه نعمة في حق الكافر ، بل نعما ، لا حد لها ولا حصر ، لما ذكره اللّه تعالى في كتابه على الترتيب المعقول . وذلك لأن أصل جميع النعم هو الحياة . فإنه لولا الحياة لما حصل الانتفاع . فكانت الحياة أصلا لجميع النعم . فلهذا السبب ابتدأ اللّه تعالى بذكره فقال : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ . وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ « 2 » ؟ ثم لما ذكر الحياة أردفه بذكر ما ينتفع به . فقال : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 3 » ثم ذكر بعده : أنه تعالى قصد إلى السماوات وسوّاها تسوية مطابقة لمصالح العباد فقال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ « 4 » وأيضا : قال : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ « 5 » وهذا تصريح بأن اللّه تعالى قد أنعم على
--> ( 1 ) الخبيص نوع من الحلوى . ( 2 ) سورة البقرة الآية 28 . ( 3 ) سورة البقرة الآية 29 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 29 . ( 5 ) سورة البقرة الآية 40 و 47 .